ممنوع الطلق والرزق على الله


لا تخلو ثقافة من رصيد غني بالمقولات الشعبية التي تكاد تضاهي أقوال كبار الفلاسفة عبر التاريخ. وبما أنها مقولات شعبية فإنها تشتق من الشعبوية ميزة الانتشار الواسع من حيث تداولها على كل لسان؛ وهي الميزة التي لا يحضى بها – ولحسن الحظ – أشهر المقولات الفلسفية الضاربة في القدم. لكن سواء تعلق الأمر بالمقولة الشعبية أو بحكمة الفلاسفة، فإن النموذجين يلتقيان في ميزة حسنة واحدة على الأقل بحيث يجمعها – رغم اختلافهما البنويوي – قاسم دلالي مشترك : ألا وهو حب الحكمة. أليس أصل كلمة « فلسفة » من الإغريقية philosofia أي philein بمعنى « حب » و sofia

بمعنى « الحكمة » أو « المعرفة » مما يجعل مفهوم الفلسفة أساساً ينطوي في الأول والأخير على خصلة « حب الحكمة أو المعرفة »؟

ومن أجل حب هذا النوع من « المعرفة » الشعبية، استوقفتني – وأنا أستحضر أمامي ذكريات الطفولة المرحة – واحدة من أشهر المقولات الشعبية السائدة في المغرب : « ممنوع الطلق والرزق على الله ». و على عكس العديد من المقولات المنتشرة شفاهياً (أي يتداولها الناس بألسنتهم)، فإن مقولتنا هاته لصقت بالذاكرة أكثر لكونها حكمة « مقروءة » تلصق على شكل لافتة « تزين » معظم المحلات والدكاكين بل وحتى الأكشاك – أيا كان حجم ونوع البضاعة التي تباع فيها. علقت بذهني مقولة « ممنوع الطلق والرزق على الله » وقضيت مدة لا يستهان بها وأنا أحاول أن أفك رموز عباراتها لعلي أفلح في سبر أغوار معانيها العميقة الراقدة خلف الكلمات. فأتساءل: ما معنى كلمة « الطلق » ولماذا أتت العبارة مسبوقة بكلمة « ممنوع » بما فيها من ثقل المنع تكاد لا تخلو ثقافتنا من ممنوعات (مرغوبات)؟ وما علاقة الرزق بالمنع والطلق؟ واللغز الأكثر حيرة في ذهن الطفل الذي كنت بالأمس: ما موقع اسم الجلالة داخل المنظومة العجيبة التركيب هاته؟ بقيت على حيرة من الأمر لمدة طويلة دون أن أصل إلى جواب شافي. لم يتبادر إلى ذهني يوماً أن أسأل صاحب المحل الذي زين بها جدران الدكان لم أسأل الكبار من الزبناء عن معنى المقولة المانعة تلك. وبقيت الحال كما هي عليه عقدين من الزمن.

وأنا أتجول في أحد شوارع مارسيليا « الشعبية »، إذ ساقتني رائحة طعام ذي النكهة الشرقية إلى كشك على الرصيف كتب عليه ما هو أقرب إلى المجاز منه إلى الواقع déli grec مما يوحي على أن المأكولات المعروضة تأتينا مباشرة من أشهى الوصفات الإغريقية. اكتشفت حين وصولي إلى الكشك على أن المجاز غلب وأن لا علاقة للأكل ولا لصاحبه « باليونانية » في شيء ما عدا « حب » هذا الأخير لحكمة الفلاسفة « اليونان »: يا للدهشة! ماذا أقرأ على اللافتة المنصوبة جلياً على واجهة الكشك؟ ما يمكن أن أترجمه شكلا ومضمونا إلى:
« أنت تريد دين، أنا أقبل، أنت لا تؤدي، أنا أزعل.
أنت تريد دين، أنا أرفض، أنت تزعل.
أنا أفضل أنك أنت تزعل! »

فسرعان ما طارت بي الذاكرة إلى لغز الفلسفة الشعبية في الصغر فاهتديت إلى معرفة المعنى الراقد خلف عبارة « ممنوع الطلق » في المغرب والسبب يرجع إلى نظيرتها السفسطية في مفهوم « دين » بمارسيليا مع اختلاف جذري بين الفلسفتين: اختفاء اسم الجلالة في الثانية.

ويبقى لغز « الرزق على الله » عالقاً.

م.ش.

Publicités

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s